| الكتاب | : | وصية تقي الدين السبكي لولده محمد ويليه مسائل تحليل الحائض من الإحرام |
| المؤلف | : | أبو الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، والقاضي الإمام شرف الدين أبي القاسم هبة الله بن البارزي |
| عدد الصفحات | : | ٣٩ |
| المحقق | : | نظام محمد صالح يعقوبي |
| عدد المجلدات | : | ١ |
| الناشر | : | دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع |
| الطبعة | : | الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م |
| حجم الملف | : | ١ ميغابيت |
| رابط التحميل | : |
يضم هذا الكتاب رسالتين نفيسـتين من تراث العلماء، جمعهما المحقق في إصدار واحد ضمن سلسلة «لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام»، وهما: «وصية تقي الدين السبكي لولده محمد»، ويتلوها «مسائل تحليل الحائض من الإحرام». وقد اجتمعت في الكتاب موضوعات تربوية وعلمية وفقهية مهمة، تكشف عن جانب من عناية العلماء بتوجيه طلاب العلم وأبنائهم، وبحث النوازل الفقهية التي يحتاج إليها المسلمون في عباداتهم.
أما القسم الأول فهو وصية الإمام العلامة تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي لولده محمد، وقد كتبها له حين توجه إلى الحجاز قاضيًا وناظرًا للركب المصري. وتأتي الوصية في صورة منظومة شعرية تجمع بين النصيحة العلمية والتوجيه الأخلاقي والتربية الإيمانية، وتحث الابن على حفظ كتاب الله تعالى، والاشتغال بالسنة الصحيحة، والتفقه في مذهب الإمام الشافعي، ومعرفة أصول الفقه، وتعلم النحو وسائر العلوم التي تعين طالب العلم على حسن الفهم والاستنباط.
وتظهر في الوصية عناية الإمام السبكي ببناء شخصية طالب العلم بناءً متكاملاً؛ فلا يقتصر طلب العلم عنده على جمع المعلومات، بل يرتبط بالإخلاص لله تعالى، وملازمة الكتب، والجد في التحصيل، والابتعاد عن اللهو والمجون، والاستفادة من العلماء وأهل الاختصاص. كما يدعو ولده إلى سلوك طريق الأئمة والعلماء، والاستفادة من مذاهب الفقهاء، وجعل العلم وسيلة إلى رضوان الله تعالى لا مجرد وسيلة إلى الشهرة أو الجاه.
وتتميز الوصية كذلك باجتماع العلوم الشرعية واللغوية فيها، إذ يوصي الناظم بحفظ القرآن والسنة، ومعرفة الفقه وأصوله، وتعلم النحو، والتأمل في معاني العلوم، والبحث عن دقائقها وأسرارها. وهذا يعكس تصورًا تربويًا متقدمًا لطالب العلم، يقوم على الجمع بين الحفظ والفهم، وبين المعرفة والعمل، وبين العلوم النقلية والآلات التي تعين على فهم النصوص الشرعية.
ويتضمن القسم الأول أيضًا أبياتًا في التعلق بالمدينة النبوية ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وما يتصل بزيارة المواضع المقدسة والتوسل والدعاء. وقد أُبقيت نصوص الوصية كما وردت في أصلها حفظًا للأمانة العلمية، مع ما فيها من تعبيرات تعكس المذهب الفقهي والعقدي للمؤلف في عصره.
أما القسم الثاني فهو «مسائل تحليل الحائض من الإحرام»، وهو إملاء للإمام القاضي شرف الدين أبي القاسم هبة الله بن البارزي، المتوفى سنة ٧٣٨هـ، أحد كبار فقهاء الشافعية في عصره. ويتناول هذا الجزء مسألة فقهية دقيقة تتعلق بالمرأة المحرمة التي يأتيها الحيض قبل طواف الإفاضة، بينما يكون الركب مستعدًا للرحيل ولا تستطيع المرأة البقاء حتى تطهر لأداء الطواف.
وتنبع أهمية هذه المسألة من كونها واقعة متكررة في الحج، وقد احتاج العلماء إلى بيان الحكم الشرعي فيها ورفع الحرج عن النساء اللاتي يعرض لهن الحيض في أثناء المناسك. ولذلك يناقش ابن البارزي المسألة من خلال الأدلة والقواعد الفقهية، وينظر في أقوال أهل العلم، ويبحث في كيفية الجمع بين المحافظة على أركان الحج وواجباته وبين مراعاة حالة المرأة التي لا تستطيع الانتظار.
ويكشف هذا الجزء عن دقة الفقه الشافعي في معالجة النوازل المتعلقة بالحج، وعن أهمية معرفة مراتب الأعمال في المناسك، والتمييز بين الأركان والواجبات وما يمكن فعله وما يتعذر فعله. كما يبرز فيه أصل رفع الحرج والتيسير عند العجز، مع المحافظة على ضوابط الشريعة وعدم تجاوز النصوص والأصول المعتبرة.
ومن المسائل المهمة التي تظهر في هذا الكتاب بيان حكم التقليد عند الحاجة، حيث يذكر ابن البارزي جواز تقليد أحد الأئمة الأربعة في مسألة، وتقليد إمام آخر في مسألة أخرى، وعدم تعين التزام مذهب إمام واحد في جميع المسائل. وهذا يعكس سعة النظر الفقهي لدى المؤلف وإدراكه لاختلاف الأحوال والحاجة إلى الاستفادة من مذاهب الأئمة المعتبرين.
وبذلك يجمع الكتاب بين جانبين مهمين من التراث الإسلامي: الجانب الأول هو التربية العلمية والأخلاقية لطالب العلم من خلال وصية الإمام تقي الدين السبكي، والجانب الثاني هو الفقه التطبيقي ومعالجة النوازل من خلال رسالة ابن البارزي. ولهذا فإن الكتاب مفيد لطالب العلم والباحث في الفقه الشافعي، كما يفيد المهتم بتاريخ التربية العلمية والأدب الوصائي والرسائل الفقهية المختصرة.
كما يمثل الكتاب نموذجًا من نماذج التأليف التي كانت تجمع بين النصوص العلمية والعملية، إذ لا تنفصل فيه المعرفة عن العمل، ولا الفقه عن مقاصد رفع الحرج والتيسير، ولا طلب العلم عن الأدب والإخلاص. وتظهر فيه مكانة العلماء في توجيه الأجيال اللاحقة، وتعليمهم كيفية التعامل مع النصوص الشرعية والنوازل الواقعية، مع احترام أصول المذاهب ومناهج الأئمة.
وقد اعتنى بإخراج هذا الكتاب الشيخ نظام محمد صالح يعقوبي، وجاء نشره ضمن سلسلة «لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام»، وصدر عن دار البشائر الإسلامية في بيروت في الطبعة الأولى سنة ١٤٢١هـ الموافق ٢٠٠٠م. ويتميز هذا الإصدار بجمع الرسالتين في مجلد واحد، مما يجعله نافعًا للباحثين في التراث الفقهي والأدبي، وللمهتمين بتراث أئمة الشافعية في القرون المتقدمة.
